ابن كثير
29
البداية والنهاية
أحرقوه وهذا إنما يحمل عليه قلة الدين والعقل ، فأغرمهم السلطان خوارزم شاه ما غرم الوزير على بنائه . وفيها توفي الشيخ المسند المعمر رحلة الوقت : أبو الفرج بن عبد المنعم بن عبد الوهاب ابن صدقة بن الخضر بن كليب الحراني الأصل البغدادي المولد والدار والوفاة ، عن ست وتسعين سنة ، سمع الكثير وأسمع ، وتفرد بالرواية عن جماعة من المشايخ ( 1 ) ، وكان من أعيان التجار وذوي الثروة . الفقيه مجد الدين أبو محمد بن طاهر بن نصر بن جميل ( 2 ) ، مدرس القدس أول من درس بالصلاحية ، وهو والد الفقهاء بني جميل الدين ، كانوا بالمدرسة الجاروخية ، ثم صاروا إلى العمادية والدماعية في أيامنا هذه ، ثم ماتوا ولم يبق إلا شرحهم . الأمير صارم الدين قايماز ابن عبد الله النجي ، كان من أكابر الدولة الصلاحية ، كان عند صلاح الدين بمنزلة الأستاذ ، وهو الذي تسلم القصر حين مات العاضد . فحصل له أموال جزيلة جدا ، وكان كثير الصدقات والأوقاف ، تصدق في يوم بسبعة آلاف دينار عينا ، وهو واقف المدرسة القيمازية ، شرقي القلعة ، وقد كانت دار الحديث الأشرفية دارا لهذا الأمير ، وله بها حمام ، فاشترى ذلك الملك الأشرف فيما بعد وبناها دار حديث ، وأخرب الحمام وبناه مسكنا للشيخ المدرس بها . ولما توفي قيماز ودفن في قبره نبشت دوره وحواصله ، وكان متهما بمال جزيل ، فتحصل ما جمع من ذلك مائة ألف دينار وكان يظن أن عنده أكثر من ذلك ، وكان يدفن أمواله في الخراب من أراضي ضياعه وقراياه ، سامحه الله . الأمير لؤلؤ أحد الحجاب بالديار المصرية ، كان من أكابر الامراء في أيام صلاح الدين ، وهو الذي كان متسلم الأسطول في البحر ، فكم من شجاع قد أسر ، وكم من مركب قد كسر ، وقد كان مع كثرة جهاده دار الصدقات ، كثير النفقات في كل يوم ، وقع غلاء بمصر فتصدق بإثني عشر ألف رغيف ، لاثني عشر ألف نفس .
--> ( 1 ) سمع ابن بيان وابن نبهان وابن زيدان الحلواني ( انظر العبر للذهبي وشذرات الذهب ) . ( 2 ) في شذرات الذهب : جهبل ، قال : وهو والد بني جهبل الفقهاء الدمشقيون ( 4 / 324 ) .